محمد عزة دروزة
20
التفسير الحديث
المرتدّ بسبب تأخّر نصر اللَّه له لن يضرّ غير نفسه لأن مصيره إلى عذاب اللَّه وسخطه . وفي الآية معالجة روحية قوية نافذة من دون ريب في مثل الحالات التي جاءت في صددها . هذا وإنعام النظر في هذه الآية ومداها يظهر قوة توجيه واحتمال كون الصورة التي احتوتها الآيات [ 11 - 13 ] صورة مكية على ما قلناه قبل ، ويسوغ القول إنها بسبيل تطمين ومعالجة من تعرّض للأذى والحرمان بسبب إسلامه ، والتنديد بالذين لم يثبتوا ويصبروا فخاروا وارتدّوا . وكَذلِكَ أَنْزَلْناه آياتٍ بَيِّناتٍ وأَنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ ‹ 16 › . وهذه الآية متصلة بالسياق والموضوع اتصال تعقيب وتنبيه كما هو المتبادر . فاللَّه قد أنزل آيات القرآن واضحة بيّنة ، وهو إنما يهدي بها من أراد له السعادة والهدى . وأسلوب الآية أسلوب تسلية وتطمين ، وقد تكرر في مواضع كثيرة من القرآن في مثل هذه المواقف . وعلى ضوء الآيات العديدة التي قررت أن اللَّه إنما يهدي من ينيب إليه ومن يستمع القول فيتبع أحسنه ، أي من حسنت نيته وصدقت رغبته في هدى اللَّه ، ومنها آيات سورة الرعد [ 27 - 29 ] والزمر [ 18 ] لا يكون محل للالتباس في هذه الآية ، بسبب إطلاق الفقرة الأخيرة منها على ما نبهنا عليه في مناسبات عديدة سابقة . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصَّابِئِينَ والنَّصارى والْمَجُوسَ والَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّه يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ‹ 17 › . تقرّر هذه الآية أن اللَّه هو الشهيد على كلّ شيء في حقيقة أصحاب النحل والمذاهب الموجودة من مؤمنين باللَّه والنبي ، ومن يهود وصابئين ونصارى